ابن عجيبة

43

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي : لهذا النور الباهر مَنْ يَشاءُ من عباده ؛ إما بإلهام أو بواسطة تعليم . وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية إنما هي بمشيئته تعالى ، وأن الأسباب لا تأثير لها . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ؛ تقريبا للفهم ، لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، معقولا كان أو محسوسا ، فيبين الأشياء بما يمكن أن تعلم به . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الكون كله من عرشه إلى فرشه قطعة من نور الحق ، وسر من أسرار ذاته ، ملك ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت ، فالكائنات كلها : اللّه نورها وسرّها ، وهو القائم بها . ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من العارفين بالله ، وحسب من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه ، وتحققوه ذوقا وكشفا . ثم ضرب الحقّ تعالى مثلا لنوره الفائض من بحر جبروته ، فقال : مَثَلُ نُورِهِ الظاهر ، الذي تجلى به في عالم الشهادة ، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ أي : كطاقة انفتحت من بحر اللّطافة الكنزيّة ، خرج منها نور كثيف كالمصباح ، فالكون كله مصباح نور ، انفجر من النور ، ومن ذلك المصباح تفرعت الكائنات ، فهي كلها نور فائض من بحر نوره اللطيف ، ثم جعل الحق تعالى يصف ذلك المصباح في توقده وتوهجه بقوله : الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ . . . . . إلخ . فالآية كلها من تتمة التمثيل . وقوله تعالى : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قيل : الإشارة فيه إلى استغناء العبد في تلك الحالة عن الاستمداد إلا من رب العزة ، فيستغنى عن الوسائط . وقوله تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ أي : نور ملكوته على نور جبروته ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي : لشهود نوره ، أو لمعرفة نوره ، مَنْ يَشاءُ من خواص أحبابه ، كأنبيائه وأوليائه ، فمن لم يشهد هذا النور ، ولم يعرفه ، لا خصوصية له ؛ يتميز بها عن العوام ، فهو من عامة أهل اليمين ، ولو كثر علمه وعمله ؛ إذ لا عبرة بالعلم والعمل مع الحجاب . وفي الحكم : « الكائن في الكون ، ولم تفتح له ميادين الغيوب ، مسجون بمحيطاته ، محصور في هيكل ذاته » ، والمحجوب برؤية الأكوان من جملة العوام عند أهل العيان ، ينسحب عليه معنى المثال الآتي في ضد هذا بقوله : ( أو كظلمات . . ) إلخ . وفي الحكم . « الكون كله ظلمة ، وإنما أناره ظهور الحقّ فيه ، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه ، أو عنده ، أو قبله أو بعده ، فقد أعوزه وجود الأنوار ، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار » « 1 » . فالكون عند أهل العيان كله نور ، وعند أهل الحجاب كله ظلمة ، وهو محيط بهم ، فالظلمة محيطة بهم ، وقد ألف الغزالي في هذه الآية كتابة :

--> ( 1 ) انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ( ص 32 حكمة 14 ) .